Gemini_Generated_Image_qijs2wqijs2wqijs

التعلم النشط

صورة

ما هو التعلم النشط؟ 

ولماذا أصبح ضرورة لكل معلم ومدرب ناجح؟

في قاعة تدريب بإحدى الشركات، أنهى المدرب عرضه التقديمي في الوقت المحدد. المؤشرات على الشاشة تبدو مثالية، والمحتوى غني، لكن بعد أسابيع قليلة، تبيّن للإدارة أن السلوكيات في بيئة العمل لم تتغير، وأن المهارات التي “تعلّمها” الموظفون لم تجد طريقها إلى الممارسة. في فصل دراسي مكتظ، يشرح المعلم المفهوم ذاته للمرة الثالثة، بينما تتجول عيون الطلاب بين النافذة والهاتف والدفتر، دون أن يترسخ الفهم أو يظهر أثر التعلم في الأداء. هذه ليست حالات استثنائية، بل مشاهد يومية تضع سؤالًا تربويًا جوهريًا على الطاولة: لماذا لا يُترجم التعليم والتدريب إلى تعلم فعلي؟ هنا تحديدًا يبرز مفهوم التعلم النشط، لا بوصفه موضة تربوية، بل كاستجابة علمية لإشكالية مزمنة.

تأصيل مفهوم التعلم النشط: من التعريف إلى الجذور النظرية

في الأدبيات التربوية، يُعرَّف التعلم النشط بأنه نمط تعلم يُشرك المتعلم بصورة واعية في بناء المعرفة من خلال التفكير، والمناقشة، والتجريب، واتخاذ القرار، بدل الاكتفاء بدور المتلقي السلبي. لا يقتصر الأمر على “نشاط” بالمعنى الحركي، بل يتصل بنشاط ذهني عميق يضع المتعلم في قلب العملية التعليمية.

هذا المفهوم يستند إلى جذور نظرية واضحة. النظرية البنائية، كما صاغها بياجيه وطوّرها فيغوتسكي اجتماعيًا، تفترض أن المعرفة لا تُنقل جاهزة، بل تُبنى عبر التفاعل مع الخبرة والسياق والآخرين. التعلم التجريبي، كما طرحه كولب، يؤكد أن الفهم الحقيقي يتشكل عبر دورة من الخبرة، والتأمل، والتجريد، ثم التجريب مجددًا. أما المنظور المعرفي، فيُبرز دور المعالجة العميقة للمعلومات في الذاكرة طويلة المدى، وهو ما يفسر لماذا ينسى المتعلم ما يسمعه بسرعة، ويتذكر ما يفكر فيه ويطبقه.

من هذا المنطلق، لا يمكن اختزال التعلم النشط في تقنية واحدة أو نشاط صفّي عابر. إنه إطار فكري يغيّر طبيعة الدورين: دور المعلم أو المدرب، ودور المتعلم.

بين التعليم التقليدي والتعلم النشط: اختلاف في الفلسفة لا في الأدوات فقط

التمييز الجوهري بين التعليم التقليدي والتعلم النشط لا يكمن في استخدام السبورة أو التقنية، بل في الفلسفة التربوية الحاكمة. في النموذج التقليدي، يُفترض أن نقل المحتوى يساوي التعلم. يشرح المعلم، يعرض المدرب، ثم يُقاس النجاح بمدى إكمال المنهج أو عدد الشرائح المعروضة. أما في التعلم النشط، فيُعاد تعريف النجاح بوصفه قدرة المتعلم على الفهم، والتطبيق، والتحليل، ونقل الأثر إلى سياق جديد.

هذا الفرق يلامس مباشرة نقاط الألم لدى الفئات الثلاث. المدرب في الشركة لا يعاني من نقص المعلومات، بل من ضعف انتقال أثر التدريب إلى الأداء الوظيفي. المعلم لا يشكو من قلة الشرح، بل من هشاشة الفهم وضعف التفاعل. الباحث الأكاديمي يلاحظ فجوة بين ما تقترحه النظريات وما يحدث فعليًا في القاعات الدراسية. التعلم النشط يحاول معالجة هذه الفجوة من الجذور.

لماذا أصبح التعلم النشط ضرورة لا خيارًا؟

في بيئات التدريب المؤسسي، الزمن مورد نادر. برامج مكثفة، أهداف قابلة للقياس، وضغط دائم لإثبات العائد على الاستثمار. في هذا السياق، يبرز التعلم النشط كحل عملي، لأنه يختصر الطريق إلى الأثر. عندما ينخرط المتدرب في محاكاة موقف حقيقي من بيئة عمله، أو يناقش حالة واقعية، أو يتخذ قرارًا ويحلل نتائجه، فإن احتمالية نقل التعلم إلى الممارسة ترتفع بشكل ملحوظ، وهو ما أكدته دراسات عديدة في مجال التعلم القائم على المشكلات والتعلم بالمشروعات في التدريب المهني.

في المدارس، تتضاعف التحديات. مناهج مزدحمة، فصول كبيرة، طلاب يعيشون في عالم رقمي سريع الإيقاع. الإلقاء المستمر لم يعد متوافقًا مع أنماط انتباه المتعلمين ولا مع احتياجاتهم النفسية والمعرفية. التعلم النشط، حين يُوظف بوعي، لا يضيف عبئًا زمنيًا، بل يعيد تنظيم زمن الحصة حول ما يفعله المتعلم لا ما يقوله المعلم. عندما يناقش الطلاب، يخطئون، يعيدون المحاولة، ويتأملون، يصبح التعلم أعمق وأكثر رسوخًا.

أما في الحقل الأكاديمي، فقد بات التعلم النشط محورًا لعدد متزايد من الأبحاث التجريبية. الميتا-تحليل الشهير الذي نُشر في Proceedings of the National Academy of Sciences أظهر أن استراتيجيات التعلم النشط في التعليم العالي تقلل من معدلات الرسوب وترفع من التحصيل مقارنة بالتدريس التقليدي، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات بحثية جديدة حول شروط الفاعلية وحدود التطبيق.

استراتيجيات التعلم النشط: من النظرية إلى الممارسة الواعية

التعلم النشط لا يعني بالضرورة قلب القاعة رأسًا على عقب. أحيانًا يبدأ بتغيير سؤال. بدل أن يسأل المعلم “هل فهمتم؟”، يسأل “كيف يمكن تطبيق هذا المفهوم في موقف مختلف؟”. في التدريب المؤسسي، قد يتحول العرض التقديمي إلى تحليل حالة مستمدة من واقع الشركة نفسها. في الصف الدراسي، قد تُستبدل بعض دقائق الشرح بنقاش موجّه أو نشاط تفكير فردي يتبعه تبادل للأفكار.

التعلم القائم على المشكلات، والتعلم التعاوني، والمحاكاة، ودراسة الحالة، كلها استراتيجيات مدعومة بحثيًا، لكن فعاليتها مشروطة بجودة التصميم. المشكلة غير المرتبطة بالسياق الحقيقي للمتعلم تفقد قيمتها، والعمل الجماعي دون أدوار واضحة قد يتحول إلى فوضى، والمحاكاة دون تأمل لاحق تصبح مجرد نشاط ترفيهي. هنا يظهر دور المعلم والمدرب بوصفه مصممًا للتجربة التعليمية، لا مجرد ناقل للمحتوى.

التحديات الواقعية: لماذا يفشل التطبيق أحيانًا؟

رغم قوة الأساس النظري، يواجه التعلم النشط مقاومة في الميدان. بعض المدربين يخشون فقدان السيطرة على الوقت، وبعض المعلمين يقلقون من ضيق المنهج، وبعض المتعلمين البالغين يفضلون “الاستماع السريع” بدل الانخراط. هذه المخاوف مفهومة، وغالبًا ما تنبع من تجارب تطبيق غير ناضجة.

الحل لا يكمن في تبني التعلم النشط كحزمة جاهزة، بل في تطبيقه تدريجيًا وبوعي سياقي. البدء بأنشطة قصيرة، واضحة الهدف، مرتبطة مباشرة بمخرجات التعلم، يقلل من المقاومة. توضيح منطق النشاط للمتعلمين، وربطه بحاجاتهم المهنية أو الحياتية، يعزز القبول. أما على مستوى التقييم، فإن استخدام أدوات تقيس الفهم والتطبيق، لا الحفظ فقط، يمنح صورة أدق عن الأثر الحقيقي للتعلم.

التعلم النشط كتحول مهني

التعلم النشط ليس وصفة سحرية، ولا ضمانًا فوريًا للنجاح. إنه تحول في طريقة التفكير في التعليم والتدريب. تحول يتطلب من المعلم والمدرب أن يسأل نفسه باستمرار: ما الذي يفعله المتعلم خلال هذه الدقائق؟ ما نوع التفكير الذي يمارسه؟ وما الأثر الذي سيبقى بعد انتهاء الجلسة؟

بالنسبة للباحثين، يفتح هذا التحول مجالات أوسع للدراسة، تتجاوز المقارنات السطحية إلى تحليل شروط النجاح والفشل. وبالنسبة للممارسين، يقدّم التعلم النشط فرصة حقيقية لاستعادة معنى التعليم: أن يكون فعلًا يُغيّر الفهم والسلوك، لا مجرد نشاط يُنجز في الوقت المحدد.

في النهاية، يمكن القول إن التعلم النشط لم يعد ترفًا تربويًا، بل ضرورة مهنية لكل من يسعى إلى تعليم وتدريب يترك أثرًا قابلًا للحياة، داخل الصف، وفي قاعة التدريب، وفي واقع العمل اليومي.

Tags: No tags

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *